تأثير البيئة على تربية الأبناء وإيمانهم

9/16/20261 دقيقة قراءة

لا شيء تلقائي: عن البيئة، والأسئلة، وتربية الأبناء على الإيمان

شاركتُ مؤخراً فصلاً واحداً من كتابي العربي الذي أعمل على إعداده مع مجموعة صغيرة من الزملاء والأصدقاء من أبناء جيلي، يعيشون اليوم في كندا والولايات المتحدة وأستراليا والشرق الأوسط.

وصلتني ملاحظات مهمة ومفيدة، تمحورت حول عدة أسئلة: ما حجم تأثير البيئة التي ينشأ فيها الطفل؟ ما حدود الإقناع والمنطق؟ ماذا نفعل عندما يعجز الوالدان عن الإجابة عن بعض الأسئلة؟ وهل يمكن أن نعجز أحياناً عن استيعاب بعض ما يمر به أبناؤنا؟

وجدت هذه الملاحظات مفيدة، ليس فقط لأنها أثارت أسئلة حول الفصل نفسه، وإنما لأنها ذكّرتني بأن قراءة فصل واحد خارج سياق الكتاب الكامل قد تعطي أحياناً انطباعاً مختلفاً عن المقصود منه.

الفصل الذي شاركته هو جزء واحد فقط من الكتاب، ومن نسخة مبكرة جداً، الإصدار 0. ولذلك فأنا سعيد بمشاركته في هذه المرحلة تحديداً؛ لأنني أريد أن أعرف كيف يُقرأ، وأين يمكن أن يُساء فهمه، وما الذي يحتاج إلى توضيح قبل أن يصل إلى صورته النهائية.

لكن النقاش دفعني أيضاً إلى توضيح فكرة أعتقد أنها مركزية في الفصل وفي الكتاب كله:

لا شيء في تربية أبنائنا وإيمانهم تلقائي أو مضمون لمجرد أننا وضعناهم في بيئة معينة.

نعم، البيئة لها دور

أنا لا أنكر دور البيئة، ولا أعتقد أن الفصل كان يقصد ذلك. بالطبع البيئة مهمة. المدرسة مهمة. الأصدقاء مهمون. المجتمع المحيط مهم. وما يسمعه الطفل ويراه ويقرأه مهم. البيئة الفكرية والأخلاقية التي ينشأ فيها الإنسان يمكن أن تؤثر في الأسئلة التي يطرحها، وفي الأفكار التي يتعرض لها، وفي الطريقة التي يفهم بها العالم.

لكن هناك فرقاً بين القول إن البيئة لها تأثير، وبين القول إن تأثيرها تلقائي وحتمي.

المشكلة عندي هي الافتراض البسيط الذي يقول، بصورة أو بأخرى:

إذا نشأ الطفل في السودان أو السعودية فهو في مأمن، وإذا نشأ في كندا أو بريطانيا أو أستراليا فهو معرض للخطر. الحياة أكثر تعقيداً من ذلك. قد تكون البيئة عاملاً مهماً، لكنها ليست العامل الوحيد، ولا يمكنها أن تضمن لنا النتيجة.

لا يوجد شيء اسمه "الغرب" كبيئة واحدة

حتى تعبير "الغرب" نفسه يحتاج إلى شيء من الحذر.

كندا ليست الولايات المتحدة.

والولايات المتحدة نفسها ليست بيئة واحدة؛ فما يحدث في ولاية أمريكية محافظة قد يختلف كثيراً عما يحدث في ولاية أخرى.

وبريطانيا ليست كندا أو الولايات المتحدة. وحتى داخل بريطانيا، لندن ليست برمنغهام، وبرمنغهام ليست ويلز أو اسكتلندا.

والأمر نفسه ينطبق على العالم العربي والشرق الأوسط. لا توجد "بيئة عربية" واحدة متجانسة.

هناك فروق بين الدول، وبين المدن، وبين المدارس، وبين الأحياء، بل وبين الأسر نفسها.

ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتجعل الحدود الجغرافية أقل قدرة على تفسير ما يتعرض له أبناؤنا.

الطفل الذي يجلس في غرفة نومه في الخرطوم يستطيع أن يشاهد الفيديو نفسه الذي يشاهده طفل آخر في تورنتو. ويمكنه أن يستمع إلى البودكاست نفسه، ويقرأ الحجة نفسها، ويتابع النقاش نفسه على يوتيوب أو تيك توك أو غيرهما.

قد تختلف المدرسة. وقد يختلف الشارع. وقد يختلف المجتمع المحيط. لكن البيئة المعلوماتية قد تكون متشابهة بصورة مفاجئة.

وأحياناً تكون التجربة عكس الصورة النمطية تماماً

هناك سبب آخر يجعلني متحفظاً تجاه التعميمات السهلة.

هناك أبناء مسلمون نشأوا في الغرب وحفظوا القرآن كاملاً، أو قطعوا شوطاً كبيراً في طلب العلم، أو ظلوا مرتبطين بالمسجد والمجتمع الإسلامي، أو طوروا اهتماماً عميقاً بدينهم.

وليس الأمر متعلقاً بالأبناء فقط.

وبشيء من المفارقة، أستطيع أن أقول من تجربتي الشخصية إن عدد الدروس التي حضرتها للشيخ عبد الحي يوسف في برمنغهام كان أكبر بكثير من عدد الدروس التي حضرتها له عندما كنت في الخرطوم.

وهذا مثال صغير، لكنه يذكّرني بشيء مهم:

لا شيء تلقائي.

المكان مهم، لكنه ليس قدراً.

والفرص، والدافع الشخصي، والأسرة، والأصدقاء، والمعلمون، والمجتمع، وطبيعة العلاقة بين الوالدين والأبناء، كلها عوامل تتداخل بطرق لا يمكن اختزالها في خريطة جغرافية.

لكن الإقناع والمنطق لهما حدود أيضاً

من الملاحظات التي أثارت اهتمامي كذلك مسألة حدود المنطق والإقناع، وقدرة الطفل على استيعاب بعض الأمور في مراحل عمرية معينة.

وهذا صحيح إلى حد كبير.

لا يستطيع الطفل أن يفهم كل شيء في كل عمر. وهناك مفاهيم تحتاج إلى قدر معين من النضج الفكري والخبرة. وهناك أسئلة قد تكون أكبر من قدرة الطفل على استيعابها في مرحلة معينة.

لكن الكتاب، ولا سيما هذا الجزء منه، يخاطب بدرجة كبيرة المراهقين والشباب.

وهنا يحدث شيء آخر.

المراهق لا يسأل دائماً لأنه يريد معلومة فقط.

أحياناً يكون السؤال جزءاً من عملية أكبر:

"هل أستطيع أن أفكر بنفسي؟"

"لماذا ينبغي أن أقبل إجابتك فقط لأنك أبي أو أمي؟"

"هل تثق بي عندما أطرح سؤالاً لا يعجبك؟"

"هل أستطيع أن أختلف معك من دون أن أصبح شخصاً سيئاً؟"

في هذه المرحلة، يصبح السؤال أحياناً جزءاً من الاستقلال والنمو واكتشاف الذات.

وهنا تحديداً أعتقد أننا بحاجة إلى الاعتراف بأن الطرق التي نشأنا عليها لا يمكن إسقاطها حرفياً على الجيل الجديد.

نحن لم ننشأ في البيئة المعلوماتية نفسها

كثير منا نشأ في عالم مختلف تماماً. قناتان أو ثلاث على التلفزيون. صحف محدودة. كتب تمر عبر رقابة الدولة دور نشر ومكتبات ومدارس ومؤسسات معروفة.

المعلومة تصل إلينا ببطء، وغالباً من مصادر قليلة.

أما أبناؤنا فيعيشون في عالم يستطيع فيه المراهق أن يسمع خلال ساعة واحدة عشر إجابات مختلفة للسؤال نفسه، بعضها من عالم متخصص، وبعضها من شخص مجهول، وبعضها من مقطع مدته دقيقة، وبعضها من شخص يتحدث بثقة شديدة رغم أنه لا يملك دليلاً كافياً.

ولذلك فإن إجابة من نوع: "هذا ما نؤمن به، ولا تسأل."

قد تنجح أحياناً في إنهاء الحديث. لكنها لا تنهي السؤال. قد تنقله فقط إلى مكان آخر.

وماذا نفعل عندما نعجز عن الإجابة؟

ربما كانت هذه أهم نقطة أثارها النقاش.

ماذا نفعل عندما يسألنا ابننا سؤالاً لا نعرف جوابه؟

أعتقد أن البداية الصحيحة قد تكون ببساطة:

لا أعرف.

هذه ليست بالضرورة هزيمة. يمكن أن تكون بداية لحوار أفضل:

"دعنا نبحث عنه معاً."

أو: "لم أبحث في هذه المسألة من قبل بصورة كافية."

أو: "أحتاج إلى وقت لأفهم السؤال وأتحقق من الإجابة."

بل يمكن أن نقول:

"لا أعتقد أن ما سمعته صحيح بالضرورة، لكنني لا أريد أن أعطيك إجابة لمجرد أنها تريحني. دعنا نبحث في الأمر."

هناك فرق كبير بين ألا نعرف الإجابة الآن وبين أن يكون السؤال داحضاً لإيماننا.

عدم قدرتي على الإجابة عن سؤال في هذه اللحظة لا يعني أن الحجة صحيحة.

لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن نحول كل سؤال صعب إلى مسألة لها جواب سريع وجاهز.

أحياناً يكون الجواب الصادق:

لا نعرف بعد.

والقدرة على تحمل هذه العبارة قد تكون جزءاً من النضج الفكري، لا علامة على الضعف.

الوالدان مسؤولان عن المحاولة، لكنهما ليسا مسؤولين عن كل النتائج

كان هذا أيضاً أحد أسباب أن تكون نبرة الفصل لطيفة تجاه الوالدين.

كثير من الآباء والأمهات يحملون أصلاً قدراً كبيراً من الشعور بالذنب.

نقارن أبناءنا بأبناء الآخرين:

ابنهم حفظ القرآن، وابني لا يريد الذهاب إلى حلقة التحفيظ.

ابنتهم ترتدي الحجاب، وابنتي لا تفعل.

أبناؤهم يذهبون إلى المدرسة القرآنية باستمرار، وأبناؤنا يرفضون.

ثم ننتقل بسهولة من هذه المقارنة إلى نتيجة أكبر:

"إذن أنا فشلت."

لكن هذه النتيجة لا تلزم من المقدمات.

الأبناء ليسوا نسخاً متطابقة، والأسر ليست تجارب مخبرية يمكن التحكم في جميع متغيراتها.

قد تقدم أسرتان الحب نفسه، والتربية نفسها، والتعليم الديني نفسه، والحدود نفسها تقريباً، ثم يكون أبناؤهما مختلفين جداً.

كما أن المظاهر الدينية مهمة، لكنها ليست القصة كلها.

حفظ القرآن فضيلة عظيمة.

والحجاب له مكانته.

والتعليم الديني مهم.

لكن عدم تحقق أحد هذه الأمور في مرحلة معينة لا يعني تلقائياً أن الابن فاسد، أو أن الوالدين فاشلان، أو أن التربية كلها انهارت.

قد نجد، عند النظر بصورة أعمق، شاباً مؤدباً، صادقاً، يحترم الآخرين، يختار أصدقاءه بعناية، يتجنب كثيراً من السلوكيات المؤذية، ويحافظ على علاقة جيدة بأسرته، لكنه لا يطابق الصورة التي كنا نريدها له في كل التفاصيل. وهذا لا يعني أننا نتوقف عن المحاولة.

نستمر في التربية، والنصح، والتعليم، ووضع الحدود المعقولة، والدعاء.

لكننا لا نعيش تحت وهم أننا نستطيع التحكم في كل النتائج.

المشكلة أن الخوف قد يدفعنا إلى خيارات أكثر خطورة

أفهم جيداً الخوف الذي قد يشعر به بعض الآباء المهاجرين.

قد يقول الأب أو الأم:

"إذا لم أستطع حماية أبنائي هنا، فربما علينا أن نعود."

وقد تتطور الفكرة إلى خيارات أكثر جذرية: تقييد حركة الأبناء بصورة شديدة، أو أخذ جوازات سفرهم، أو إرسالهم إلى بلد آخر، أو حتى التفكير في ترك البلد الذي استقرت فيه الأسرة والعودة إلى بلد الأصل، رغم ما قد يكون فيه من اضطراب أو مخاطر.

أنا لا أتعامل مع هذه الأفكار باستخفاف.

أحياناً لا تأتي من قسوة أو جهل.

بل تأتي من حب حقيقي وخوف حقيقي على الأبناء ودينهم ومستقبلهم وآخرتهم.

لكن المشكلة أن الخوف الشديد قد يدفعنا أحياناً إلى رد فعل تكون نتيجته عكس ما أردناه.

قد يشعر المراهق بأنه محاصر.

وقد يتوقف عن الحديث.

وقد يخفي أسئلته.

وقد يبحث عن إجابات بعيداً عن الأسرة.

وقد تتحول المشكلة التي بدأت بسؤال فكري إلى مشكلة أكبر بكثير: انهيار الثقة والعلاقة بين الأبناء والوالدين.

وهنا نكون قد خسرنا المساحة التي كنا نستطيع من خلالها مساعدتهم.

الهدف ليس أن يبدو أبناؤنا مسلمين فقط

ربما هذه هي النقطة التي أريد أن أكون واضحاً فيها أكثر من أي شيء آخر.

أنا لا أدعو الوالدين إلى ترك أبنائهم والقول:

"الله يهديهم."

ولا أقول إن التعليم الديني أو القرآن أو المسجد أو الحجاب أو المدارس الإسلامية أو الحدود الأسرية أمور غير مهمة.

بل العكس.

نحن مسؤولون عن المحاولة.نعلّم. نربي. نصحح. نضع حدوداً معقولة. نكون قدوة. نحاور. ندعو الله.

لكن علينا أيضاً أن نتذكر أن النتيجة ليست مضمونة لنا.

قد يحفظ ابننا القرآن. وقد لا يحفظه.

قد تختار ابنتنا الحجاب. وقد لا تختاره.

قد يتبنى أبناؤنا كل ما علمناهم. وقد يعيدون النظر في أشياء كثيرة. ولا ينبغي أن نختزل الإنسان كله في هذه المؤشرات وحدها.

ليس هدفنا أن ننتج أبناءً يبدون مسلمين أمام الناس بينما عقولهم مثقلة بأسئلة لا يجدون مكاناً آمناً لطرحها.

هدفنا أعمق من ذلك.

نريد أبناءً يعرفون كيف يفكرون، وكيف يميزون بين الدليل والادعاء، وبين الحقيقة والانطباع، وبين السؤال والحجة، وبين الاختلاف والعداء.

نريدهم أن يكونوا صادقين، رحماء، مسؤولين، محترمين، قادرين على التفكير، وقادرين على العودة إلينا عندما يواجهون سؤالاً صعباً.

وإذا بقيت العلاقة مفتوحة، فقد بقيت مساحة كبيرة للعمل.

إذن، ماذا كنت أقصد بالفصل؟

لم أكن أقصد أن البيئة لا دور لها. ولم أقصد أن الوالدين لا مسؤولية عليهم. ولم أقصد أن المنطق قادر على الإجابة عن كل شيء.

ولم أقصد أن المراهق يستطيع استيعاب كل ما نشرحه له. ولم أقصد أبداً أن نتخلى عن دورنا ونقول إن الهداية ليست بأيدينا ونترك الأمر كله.

ما أقصده أبسط من ذلك:

لا تفترض أن الجغرافيا تحدد إيمان ابنك.

ولا تخلط بين التعرض لفكرة وبين حتمية التأثر بها.

ولا تخلط بين سؤال لم نجد له جواباً وبين سقوط الإيمان.

ولا تجعل نجاح أبناء الآخرين مقياساً تلقائياً لفشل أبنائك أو فشلك كأب أو أم.

ولا تسمح للخوف على دين أبنائك بأن يدمر العلاقة التي قد تكون أهم وسيلة لمساعدتهم.

نحن نحاول. نتعلم. نستمع. نجيب عندما نستطيع. ونقول "لا نعرف" عندما لا نعرف. نضع حدوداً معقولة.

نترك باب الحوار مفتوحاً. وندعو الله.

لا شيء تلقائي، ولا شيء مضمون. لكن هذا ليس سبباً للاستسلام؛ بل سبب لأن نحاول بصورة أذكى، وأهدأ، وأكثر صدقاً.

Contact

Reach out for consultations or inquiries

Email

Phone

info@drghaiath.com

+353-83-0997567

© 2025. All rights reserved.